أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
299
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
والحوبة : الحاجة ، ومنه في الدعاء : « إليك أرفع حوبتي » وأوقع اللّه له الحوبة ، وتحوّب فلان : إذا خرج من الحوب ، كتحرّج وتأثّم ، فالتضعيف فيه للسلب . [ سورة النساء ( 4 ) : آية 3 ] وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ذلِكَ أَدْنى أَلاَّ تَعُولُوا ( 3 ) قوله تعالى : وَإِنْ خِفْتُمْ : شرط ، وفي جوابه وجهان : أحدهما : أنه قوله : « فَانْكِحُوا » ، وذلك أنهم كانوا يتزوجون الثمان والعشر ولا يقومون بحقوقهن ، فلمّا نزلت : وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ أخذوا يتحرّجون من ولاية اليتامى ، فقيل لهم : إن خفتم من الجور في حقوق اليتامى فخافوا أيضا من الجور في حقوق النساء فانكحوا هذا العدد ، لأنّ الكثرة تفضي إلى الجور ولا تنفع التوبة من ذنب مع ارتكاب مثله . والثاني : أنّ الجواب قوله : « فَواحِدَةً » والمعنى : أن الرجل منهم كان يتزوج اليتيمة التي في ولايته ، فلمّا نزلت الآية المتضمنة للوعيد على أكل مال اليتيم تحرّجوا من ذلك ، فقيل لهم : إن خفتم من نكاح النساء اليتامى فانكحوا ما طاب من الأجنبيات ، أي : اللاتي لسن تحت ولايتكم ، فعلى هذا يحتاج إلى تقدير مضاف ، أي : في نكاح يتامى النساء . فإن قيل : « فَواحِدَةً » جواب لقوله : « فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا » فكيف يكون جوابا للأول ؟ أجيب عن ذلك بأنه أعاد الشرط الثاني ، لأنه كالأول في المعنى ، لمّا طال الفصل بين الأول وجوابه ، وفيه نظر لا يخفى على متأمله . والخوف هنا على بابه ، فالمراد به الحذر ، وقال أبو عبيدة : إنه بمعنى اليقين ، وأنشد : 1536 - فقلت لهم خافوا بألفي مدجّج * سراتهم في الفارسيّ المسرّد « 1 » أي : أيقنوا ، وقد تقدّم تحقيق ذلك والردّ عليه ، وأنّ في المسألة ثلاثة أقوال عند قوله تعالى : إِلَّا أَنْ يَخافا أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ « 2 » . قوله : أَلَّا تُقْسِطُوا إن قدّرت أنها على حذف حرف جر أي : « من أن لا » ففيها الخلاف المشهور : أهي في محل نصب أو جر ، وإن لم تقدّر ذلك بل وصل الفعل إليها بنفسه ، كأنك قلت : « فإن حذرتم » فهي في محلّ نصب فقط ، كما تقدّم في البقرة . وقرأ الجمهور : « تُقْسِطُوا » بضم التاء من « أقسط » إذا عدل ، ف « لا » على هذه القراءة نافية ، والتقدير : وإن خفتم عدم الإقساط أي : العدل . وقرأ إبراهيم النخعي ويحيى بن وثاب بفتحها من « قسط » ، وفيها تأويلان ، أحدهما : أنّ « قسط » بمعنى جار ، وهذا هو المشهور في اللغة ، أعني أنّ الرباعي بمعنى عدل ، والثلاثي بمعنى جار ، وكأن الهمزة فيه للسّلب ، فمعنى « أقسط » أي : أزال القسط وهو الجور ، و « لا » على هذا القول زائدة ليس إلا ، وإلّا يفسد المعنى ، كهي في قوله : لِئَلَّا يَعْلَمَ « 3 » . والثاني : حكى الزجاج : أن « قسط » الثلاثي يستعمل استعمال « أقسط » الرباعي ، فعلى هذا تكون « لا » غير زائدة ، كهي في القراءة الشهيرة ، إلا أنّ التفرقة هي المعروفة لغة .
--> ( 1 ) تقدم . ( 2 ) سورة البقرة ، آية ( 229 ) . ( 3 ) سورة الحديد ، آية ( 29 ) .